محمد غازي عرابي
748
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 12 إلى 14 ] وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ( 12 ) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 14 ) [ القصص : 12 ، 14 ] المراضع إشارة إلى المعقولات المستخرجة من الانطباعات الحسية ولها دور في تعليم القلب ، ولولا هذه المعقولات ما كان ثم حاجة إلى هبوط آدم الفكر من الجنة ، ولا إلقاء موسى في يم المادة ، ففي المادة الصور ، ولهذا خلق اللّه العالم الظاهري ، وتعد فلسفة أرسطو على ما فيها من علل ، خير دليل على قيمة هذا العالم عندما قال إن المادة والصورة متحدتان ولا فصل بينهما ، ولهذا كان من المستحيل أن يعرف القلب المعقول من غير الهبوط إلى عالم المحسوس لاستخراج الصور . وتحريم المراضع انتهاء أجل تعلم القلب من العالم الظاهري ، وتوجهه إلى العالم الباطني الذي كني في الآية بأهل البيت ، ورد موسى إلى أمه رجوع القلب إلى النفس الكلية بعد أن فرغ من أمر المعقولات وحصلها وهذا ما أشير إليه في الآية الرابعة عشرة بأن موسى القلب بلغ أشده واستوى فآتاه اللّه حكما وعلما ، والملاحظ أن الآية ختمت بأن اللّه يجزي المحسنين ، وصفة الإحسان هي التي تطلق على المؤمنين المجتبين للاصطفاء والتعليم الإلهي كما قال تعالى في وصف يوسف من قبل : وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 15 إلى 17 ] وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ( 15 ) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 16 ) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ ( 17 ) [ القصص : 15 ، 17 ] دخول المدينة عودة موسى القلب إلى مدينة الفكر النظري حيث هناك رجلان يقتتلان ، ومن يقتتل في الفكر النقيضان اللذان يثبت أحدهما وينفي الآخر ، ويؤمن الواحد ويكفر أو يشكك الثاني ، ولهذا جاء في الآية أن أحد الرجلين هو من شيعة موسى أي مؤمن ، والآخر من عدوه أي كافر . ووكز موسى الكافر يعني أن القلب حين يبلغ اليقين يضع حدا للتناقض الفكري فيصبح الفكر واحدا بلا ثان ، وهذا التوحيد هو ما بلغه من قبل إبراهيم نبي التوحيد فصارت نار التناقض بردا وسلاما عليه .